ابن قتيبة الدينوري

60

عيون الأخبار

وقال : هذا كان يسلَّم من بعيد وينصرف ، فلمّا استدناه أمير المؤمنين وأمره بالجلوس ودعاه إلى طعامه تبذّل بين يديه فبلغ من جهل بفضيلة المنزلة التي صيّره فيها أن قال : قد تغدّيت ، وإذا ليس عنده لمن تغدّى مع أمير المؤمنين إلا سدّ خلَّة الجوع . يونس الهجريّ قال : مات رجل من جند أهل الشام فحضر الحجّاج جنازته ، وكان عظيم القدر ، فصلَّى وجلس على قبره وقال : لينزل قبره بعض إخوانه ؛ فنزل نفر منهم ، فقال أحدهم وهو يسوّي عليه : رحمك اللَّه أبا فلان ! إن كنت ما علمتك لتجيد الغناء وتسرع ربّ الكأس ، ولقد وقعت في موقع سوء لا تخرج منه إلى الدّكَّة ( 1 ) ؛ فما تمالك الحجّاج أن ضحك فأكثر ، وكان لا يكثر الضحك في جدّ ولا هزل ، ثم قال له : لا أمّ لك ! هذا موضع هذا ! قال : أصلح اللَّه الأمير ، فرسي حبيس لو سمعه يتغنّى : [ مديد ] * يا لبيني أوقدي النارا ( 2 ) * لانتشر الأمير على سعنة ( 3 ) ، وكان الميّت يلقّب سعنة ، وكان من أوحش خلق اللَّه صورة وأدّمهم ؛ فقال الحجاج : إنا للَّه ! أخرجوه عن القبر ، ثم قال : ما أبين حجّة أهل العراق في جهلكم يا أهل الشام . ولم يبق أحد حضر القبر إلا استفرغ ضحكا تبع داود بن المعتمر امرأة ظنّ أنها من الفواسد ، فقال لها : لولا ما رأيت عليك من سيما الخير لم أتبعك ؛ فضحكت المرأة وأسندت ظهرها إلى الحائط

--> ( 1 ) الدّكّة : بناء يسطح أعلاه ويقعد عليه أو ما استوى من الرمل وسهل ، والجمع دكاك . ( 2 ) شطر بيت على المديد المجزوء . ( 3 ) السّعنة : المباركة الميمونة ؛ يقال : ما له سعنة ولا معنة ، أي ما له شيء .